فنّانو العراق يحوّلون مصنع تبغ متهالك إلى مركز للثقافة
AM:11:37:03/06/2018

تُعتبر السليمانية العاصمة الثقافية لإقليم كردستان العراق. ففي هذه المدينة، كتب شعراء ممّن ذاع صيتهم، مثل نالي وسليم باللهجة السورانية الكردية في أوائل القرن التاسع عشر. السليمانية واحدة من أكثر المدن تحررًا في البلاد، فهي تضمّ قاعات موسيقى ومكتبات ومقاهي الشاي التاريخية وحدائق عامّة حيث ترتفع التماثيل النصفية لمؤلّفين مشهورين.

بحلول نهاية الصيف، ستكشف المدينة عن فضاءٍ ثقافيّ وفنيّ جديد في مصنع التبغ التاريخي، وهو مجمّع صناعي ضخم يلوح فوق شارع سالم المركزي، أحد الشرايين الرئيسية في المدينة.

أُنشئ مصنع السليمانية للتبغ في منتصف خمسينيّات القرن الماضي وتمّ تشغيله بحلول عام 1961. في سنواته الأولى، كان المصنع ينتج أكثر من 700 مليون سيجارة من نو ع "الجمهورية" سنويًا.

في الفيلم الوثائقي من إنتاج طاهر عبد الواحد في عام 2010، يُنقل عن محمود عبد الرحمن، المدير العام للصناعة في السليمانية حتى عام 2013، قوله إنّ المصنع كان ينتج في أوج ازدهاره في ثمانينيّات القرن الماضي ما بين 23 و24 مليون علبة سجائر سنويًا وكان يوفر دخلًا لثلاثة آلاف عائلة.

غير أنّ الانتاج توقف في عام 1990، عندما فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حظرًا شبه كامل على العراق البعثي بعد غزوه للكويت.

في العام التالي، ثار الأكراد ضد نظام صدّام حسين، ممّا أدى بسرعة إلى حكمٍ شبه ذاتي. تحوّل إقليم كردستان العراق سياسيًا واقتصاديًا على مرّ العقد التالي. حاولت الحكومة المحليّة إعادة فتح مصنع التبغ، منتجةً لفترة وجيزة سيجارة من نوع "سان" سُميّت على اسم حاكم تركي من القرن العشرين من منطقة هورامان على الحدود العراقية الإيرانية. لم يتمكّن هذا النوع من منافسة أنواع السجائر العالمية الأرخص سعرًا وتوقف الإنتاج على الفور تقريبًا.

ومن المفارقات أنّ المصنع استمر في توفير فرص عمل لـ300 شخصٍ ومديرٍ الذين ما زالوا يستلمون الشيكات من الحكومة. هم يأتون كلّ يوم إلى مصنع الأشباح وآلاته المتهالكة. في معظم الأوقات، يتجاذبون أطراف الحديث عن الأيّام الخوالي ويأملون أن يعود إنتاج السجائر إلى المصنع الذي اشتكى أحد سكّان السليمانية من هندسته المعماريّة القاسية التي جعلته يبدو وكأنّه سجن.

تمّ اقتراح خطط مختلفة لتدمير المصنع بعد عام 2004 واستبداله بمبنى للمكاتب أو حتى حديقة. ولكن في عام 2012، جاءت مجموعة من الفنّانين بفكرة مختلفة: إنشاء أكبر مركز للفنون والثقافة في العراق، إن لم يكن في الشرق الأوسط بأكمله.

أرادوا تحويل الفضاء الصناعي الرمزي إلى "مصنع ثقافي" مليء بالمعارض وورش العمل ومساحات ترفيهية ومكتبة.

كانت حجج الفنّانين للبناء بدلًا من التدمير مقنعة وتوقيتهم مناسبًا. قاموا بسرعة بتشكيل منظمة غير حكومية في عام 2012 تحت اسم الثقافة والتنمية المستدامة وشكّلوا مجموعة على موقع فايسبوك للإعلان عن خططهم والضغط من أجل الحصول على الدعم. قال مدير البرنامج في المنظمة "شروان كان"، للمونيتور إنّ "حكومة إقليم كردستان التي كانت تفيض بالصفقات النفطية المربحة وخطط البنى التحتية الطموحة وافقت على المساهمة بنحو 50 مليون دولار لأعمال الترميم للمشروع".

وفقًا للخطط الأوليّة، تقوم وزارة التجارة والصناعة بنقل سلطة المصنع إلى وزارة الثقافة. وتقوم من بعدها المنظمة بإدارة البرنامج الثقافي. استعانت المنظمة بشركة جلبي للهندسة المعمارية المتمركزة في فيينا والتي أسّسها شقيقان عراقيان، لتصميم الخطة الرئيسية وقامت بانشاء لجنة توجيهية من مختلف أوساط المجتمع السليماني المبتكر. تضمنت التصاميم عدّة مساحات عمل فنية وتصميمية ومسرح واستوديو تسجيل وحديقة نباتية وأماكن إقامة للفنّانين الزائرين، بالإضافة إلى ملحق مكتبة متصل بالمكتبة العامة الرئيسية في المدينة والتي تقع على مقربة من المصنع. وكان واحد من المباني سيضمّ آلات ووثائق من المصنع الأصلي، حيث كان سيتمّ توظيف بعض عمّال المصنع المتبقين للقيام بجولات [للزائرين] في داخله والمشاركة في شرح تاريخ المصنع شفويًا.

على الرغم من هذه الخطط الطموحة، واجه المشروع الضخم عدّة عقبات بيروقراطية ومالية في السنوات التي تلت. فقد استغرقت عملية نقل سلطة المصنع بين الوزارتين خمس سنوات، واجهت في خلالها حكومة الإقليم سلسلةٍ من القضايا المتصاعدة: علاقات متوترة مع بغداد، وانخفاض أسعار النفط، وبروز تنظيم الدولة الإسلامية والاستفتاء المشؤوم حول استقلال الإقليم. أدّى كلّ ذلك إلى تخفيض ميزانية مصنع الثقافة إلى أربعة ملايين دولار وهو مبلغ، إذا أخذنا كلّ الأمور بعين الاعتبار، كان لا يزال يظهر مدى اهتمام الحكومة ودعمها للمشروع.

اليوم، لا تزال خطة جلبي الرئيسة قائمة ولكن تمّ تجديد مبنى واحدٍ فقط للأنشطة الثقافية. يقدّم فريق مصنع الثقافة برامج وورش عمل ثقافية ولكن تبقى السلطة على المباني في أيدي وزارة التجارة ومن الأفضل حلًا، يجب أن يتمّ نقلها في نهاية الصيف قبل إطلاق الحملة العامة لتقديم الفضاء الثقافي الجديد إلى سكّان المدينة.

يشكّل المصنع حاليًا موقع تعايش غريب بين عمّال المصنع القدماء الذين لا يزالون يأملون، ربما بسذاجة، عودة الإنتاج إليه، والفريق الثقافي التوّاق إلى انطلاقة البرنامج العام بالكامل.

ولكن "كان" لا يمكن ردعه. ويقول للمونيتور: "إنّ الميزانية المحدودة هي في الواقع فرصة إبداعية للتطوير العضوي"، مؤكدًا أنّ هذا التوجه سيسمح لقيادة المصنع الثقافي بالبدء باستخدام بمنى واحدٍ وفسح المجال أمام اللجان المستقبلية لتحديد أولويات المشاريع الأخرى وقيادتها أثناء تطورها.

تمّ تحويل عدّة نقاط الحراسة الأصلية إلى مساحات عرض فنية صغيرة. يضمّ الطابق العلوي الفسيح من المبنى الذي تمّ ترميمه مركز الشباب "إكس لاين"و الذي يستضيف ورش عمل للفنّانين الشباب الطموحين، ومساحة تدريب لفرقة روك تدعى "نوفا"، وقاعات اجتماعات لأندية علمية وأندية كتاب، ومنتزه تزحلق صغيرة تديرها مجموعة لتزحلق والكتابة على الجدران تدعى "بونلس". تمّ افتتاج معظم هذه المساحات في عام 2017.

تمّ افتتاح منتزه التزحلق الذي أضيف مؤخرًا في وقتٍ سابقٍ من هذا العام. في حديث للمونيتور، يشرح شيرو باهرادار وهو نحّات بالتدريب وأحد مؤسّسي مركز "إكس لاين"، فكرة المركز: "نهدف إلى أن نكون متعاونين وشاملين وغير محدودين. كلّ شيء داخل المصنع يتمّ تدويره باستمرار وتيمّ مشاركة كلّ شيء".

في وقتٍ مبكر من صباح يوم سبت في أحد مساحات الاستوديو، كانت تارا عبد الله، وهي طالبة في كليّة الفنون الجميلة في السليمانية تلون قطع القماش الخاصة بها بعناية. "أفضل الرسم هنا في المركز على القيام بذلك في كليّني. فهو قريب وأستوحي الأفكار من كلّ هذه المشاريع الإبداعيّة القائمة فيه. أعتقد أن العمل هنا يحسّن من فنّي". يشمل طابق آخر في المصنع استوديو للكتب المصورة الهزلية والرسوم المتحركة. انتقل محمد عودة، وهو رسّام رسوم متحركة ومصمّم، من بغداد العام الماضي وانخرط في عمل مصنع الثقافة من خلال المساعدة في تصميم شعاره.

"أريد من المصنع إنتاج كتاب هزلي بحلول نهاية العام يتناول بعض القضايا الاجتماعية والسياسية الرئيسية في العراق"، قال عودة الذي يقوم بإعداد سلسلة من البرامج التعليمية لتدريب فريق من رسّامي الكاريكاتير لهذه الغاية. قام عودة أيضًا بتنظيم زيارة إلى السليمانية لفريق "مساحة" لسلسلة القصص المصورة الهزلية الأول من نوعه في العراق، لإدارة ورشة عمل في المصنع بحلول نهاية الصيف.

"نحن نرى المصنع مساحة جاذبة للمبدعين من جميع أنحاء المدينة والعراق للتعاون معًا. ونأمل بعد ذلك أن ندعو فنانين من المنطقة إلى القدوم إلى هنا ليبتكروا معنا هنا"، يقول "كان"، مشيرًا إلى النشاطات تستهدف المجتمع الفنّي وليس الجمهور العام بعد.

في نهاية الصيف، سيفتتح مصنع الثقافة أبوابه للجمهور رسميًا بمعرض فني وعرض وأنشطة شبابيّة ينظمها مركز "إكس لاين".

ولا تأمل المنظمة غير الحكومية في تعزيز موقع السليمانية كمركز للثقافة داخل العراق فحسب، بل ستعمل على تطوير مشهد فنّي محلّي للمنطقة ككلّ.

al-monitor